أحمد زكي صفوت

34

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

« من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان « 1 » ، أما بعد : فإن المرء ربّما طرحه الهوى في مطارح العطب ، وإنك للمرء المضروب به المثل : قاطع الرّحم ، وواصل العدوّ ، حملك سوء ظنّك بي ، وبغضك لي على أن عققت قرابتي ، وقطعت رحمي ، وبتتّ « 2 » نسبى وحرمتي ، حتى كأنك لست أخي ، وليس صخر ابن حرب أباك وأبى ! وشتان ما بيني وبينك ، أطلب بدم ابن أبي العاص « 3 » وأنت تقاتلنى ، ولكن أدركك عرق الرّخاوة من قبل النساء ، فكنت كتاركة بيضها بالعراء « 4 » : وملحفة بيض أخرى جناحها ، وقد رأيت أن أعطف عليك ، ولا أؤاخذك بسوء سعيك ، وأن أصل رحمك ، وأبتغي الثواب في أمرك ، فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه ، لما ازددت منهم إلا بعدا ، فإن بنى عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشّفرة إلى الثور الصّريع وقد أوثق للذبح ، فارجع رحمك اللّه إلى أصلك ، واتّصل بقومك ، ولا تكن

--> ( 1 ) ذكروا أن البغايا في الجاهلية كانت لهن رايات يعرفن بها وينتحيها الفتيان ، فيقال إن أبا سفيان خرج يوما وهو ثمل إلى تلك الرايات ، فقال لصاحبة الراية هل عندك من بغى ؟ فقالت : ما عندي إلا سمية ، قال : هاتها على نتن إبطيها ، فوقع بها ، فولدت له زيادا على فراش عبيد ( العقد الفريد 3 : 2 ) وقد شهد أبو مريم السلولي حين استلحق معاوية زيادا قال : أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف ، وأنا خمار في الجاهلية ، فاشتريت له لحما وخمرا وطعاما ، فلما أكل قال : يا أبا مريم ابغنى بغيا ، فخرجت فأتيت سمية ، فقلت لها : إن أبا سفيان من قد عرفت شرفه وجوده ، وقد أمرني أن أصيب له بغيا ، فهل لك ؟ فقالت : نعم يجئ الآن عبيد بغنمه - وكان راعيا - فإذا تعشى ووضع رأسه أتيته ، فرجعت إلى أبي سفيان فقلت : لم أجد إلا جارية الحارث بن كلدة : سمية ، فقال : ائننى بها على ذفرها وقذرها ، وأخذبكم درعها ، وأغلقت الباب عليهما ، فلم ألبث أن خرج على يمسح جبينه ، فقلت : مه يا أبا سفيان ، فقال : ما أصبت مثلها يا أبا مريم ، لولا استرخاء من ثدييها وذفر في إبطيها ( شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 70 ومروج الذهب 2 : ص 56 ) ( الدفر بالتحريك ويسكن : النتن ، والذفر بالتحريك : كل ريح ذكية من طيب أو نتن ، أو يخص برائحة الإبط المنتنة ) . وكان يقال له : زياد بن عبيد ، وزياد بن أبيه ، وزياد بن سمية ، وزياد بن أمه ، ولما استلحق ( سنة 44 ه ) قيل له زياد بن أبي سفيان . ( 2 ) قطعت . ( 3 ) أي عثمان وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية . ( 4 ) العراء : الفضاء لا يستتر فيه بشئ .